عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
96
معارج التفكر ودقائق التدبر
وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ : أي : ووجّه تكليفا آخر مضمونه النّهي عن النقص في الوزن عن الحقّ المطلوب . يقال لغة : خسر الميزان وأخسره ، إذا نقص الوازن في عمليّة الوزن عن الحقّ المطلوب . فاشتمل هذا النصّ على تكاليف ربّانية ثلاثة : ( 1 ) النهي عن الزيادة على الحقّ المطلوب في عملية الوزن . ( 2 ) الأمر بالمساواة العادلة بين حقّ الموزون له والموزون منه . ( 3 ) النهي عن النقص عن الحق المطلوب في عملية الوزن . وفي هذا استقصاء للاحتمالات في عمليات الوزن ، عناية بضرورة العدل ، وهذا من التفصيلات التي اشتمل عليها القرآن ، مع أن بعضها كان يغني عن بعض فكريا . ومن هنا ندرك أنّ وزن أعمال العباد يوم الدين ، سواءا أكانت أعمالا جسديّة ظاهرة للحواس ، أم أعمالا فكريّة ، أم نفسيّة أم قلبيّة إراديّة ، يكون بموازين تلائم طبائعها الّتي طبعها اللّه البارئ عليها . إذا كان الناس باكتشافاتهم لأنظمة الموازين الّتي وضعها اللّه عزّ وجلّ لهم في الأرض ، قد توصّلوا إلى اكتشاف أنواع كثيرة جدّا ، يزنون بها المادّيّات الظّاهرات ، والمعنويّات ، والقوى الّتي كان القدماء يسمّونها أعراضا ، أفلا يكون عند اللّه البارئ الخالق لكلّ شيء يوم الدّين موازين تزن الأعمال الظّاهرة ، وتزن الخواطر ، وتزن النيّات ، وتزنّ الإرادات ، وتزن مقادير الإيمان والكفر ، وتزن مقادير الحبّ والبغض ، ومقادير الرّضا والغضب ، ومقادير العفو والحقد إلى سائر العواطف ؟ ! ويدلّنا على اختلاف أنواع الموازين الّتي يوزن بها ما كسب العباد أو